الشيخ الطبرسي

9

تفسير جوامع الجامع

( أَزْوَاجاً ) لِتَطمئنُّوا إليها وتألَفُوا بها ، وذلكَ لِمَا بين الاثنين من جِنْس واحد من الإِلْفِ والسُّكونِ ، وما بينَ الجنسينِ المختلفينِ من التَنَافِر ( وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً ) أي : تَوادّاً وتَراحُماً بعد أَن لَمْ يكنْ بينكُم مَعرِفةٌ ولا سَبَبٌ يُوجِبُ التَحابَّ والتعاطُفَ من القَرابةِ والرَّحم . والأَلْسِنةُ : اللُّغاتُ أو أَجناسُ المنطقِ وأَشْكالُهُ . خَالَفَ سبحانه بين هذه الأشياءِ حتّى لا يَكاد يُسمعُ بين منْطِقَينِ متَّفِقَيْن في شيء من صفاتِ النُطْقِ وأحوالِهِ ، وكذلكَ الصُوَرُ وتَخطيطها ( 1 ) والأَلوانُ وتنويعها ، ولهذا الاختلافِ وَقَعَ التَعَارفُ ، ولَوْ اتَّفقَتْ وتَشَاكَلَتْ لوقَعَ الالتباسُ ، و ( فِي ذا لِكَ ) آيَةٌ بيِّنةٌ في حكمةِ الصَانعِ وكَمَالِ قُدرتِهِ ، وقُرئ : ( لِلْعَلِمِينَ ) بفتحِ اللاَّمِ وكسرِهَا ( 2 ) ، ويَشْهدُ للكسرِ قَولُهُ : ( وَمَا يَعْقِلُهَا إلاَّ العَلِمُونَ ) ( 3 ) . ( مَنَامُكُمْ بِالَّيْلِ والنَّهَارِ ) هو من بَابِ اللَّفِّ وتَرتيبه ( وَمِنْ ءَايَتِهِ مَنَامُكُمْ ، وَابْتِغَآؤُكُمْ مِّنْ فَضْلِهِ ) باللَّيلِ والنَّهارِ ، إلاَّ أَنَّه فَصَّلَ بين القَرينَيْنِ الأوَّلَيْنِ بالقَرينَيْنِ الآخرينِ لأنَّهما زَمَانَان ، والزَّمانُ والواقِعُ فيهِ كشيء واحِد ، من إعانةِ اللَّفِّ على الاتّحاد ، ويجوزُ أَن يكونَ المُرادُ : مَنَامُكُم في الزَّمانين وابتغاؤكُم من فَضْلِهِ فيهِمَا ، والأوَّلُ أَظهرُ لتكرُّرِهِ في القُرآنِ . وفي ( يُرِيكُم ) وَجْهان : أَحدهما : إضْمارٌ ، والآخرُ : إنْزالُ الفِعْلِ منزلةَ المَصدر وَفسّرَ المَثَل : " تَسمَعُ بالمُعيدِي خَيرٌ من أَن تَرَاهُ " علَى الوجهينِ ( خَوْفَاً ) من الصَاعِقَةِ أو من الإخْلافِ ( وَطَمَعاً ) في الغَيثِ ، وقيلَ : خَوفَاً للمُسَافرِ وطَمَعَاً

--> ( 1 ) في نسخة : " تخليطها " . ( 2 ) قراءة حفص عن عاصم بكسرها والباقون جميعاً بفتحها . راجع التبيان : ج 8 ص 239 . ( 3 ) العنكبوت : 43 .